الإلقاء وفن الخطابة

تتعدد أساليب إلقاء الدورة بتعدد المدربين والمناهج والظروف، وعليك تقع مسئولية اختيار الأسلوب المناسب لك ولظروف الدورة. من أفضل الأساليب التي يُنصَح بها للتدريب هو الأسلوب التشاركي، أو القائم على المشاركة، حيث يشترك المتدرب مع المدرب في عملية التدريب.

إن هذا الأسلوب قائم على التدريب بعقلية: “دعونا نتعاون معًا ليفيد كل منا الآخر، ونحصد المكاسب المشتركة”. وهذا الأسلوب يحفز جميع المشاركين على استعمال خبراتهم ومواردهم؛ ليسهم كل منهم في الحصيلة المعرفية للدورة.

عمومًا فإن هذا الأسلوب، مع مميزاته، له محاذيره التي لا ينبغي تجاهلها. إن مثل هذا الأسلوب يتطلب أن تكون متواضعًا ومقدرًا لنفسك في الوقت ذاته، كما أنه يحتاج منك أن تكون متمرسًا في قيادة الحوار والجلسات لتحافظ على تدفق المعرفة في الاتجاه السليم، وذلك كله ضمن إطار ودي وميعاد محدد. إذا لم تراع هذه النقاط، فقد تفقد السيطرة على سير الدورة، وتتحول إلى مجرد مدير شكلي لجلسات النقاش الحرة.

إن أغلب المحاضرات اليوم تستخدم العروض التقديمية المحضرة على الحاسب الآلي، أو اللوحات الإرشادية المكتوبة سلفًا. يجب أن تتقن استخدام هذه الأدوات، وتعدلها لتناسب إلقاءك الخاص، وذلك بأسلوب رشيق. ويفيدك أن تستعين أثناء الإلقاء بما عندك من زاد معرفي وخبرات متراكمة، بهدف جذب انتباه المتدربين.

اعمل على ألَّا يزيد وقت استرسالك في أي جزء من المحاضرة عن 20-40 دقيقة، وشجع المتدربين بعدها على طرح الأسئلة والنقاش، تمهيدًا للدخول في تمرينات الدورة. احرص على أن تكون هناك ساعة قريبة من نظرك دون أن يراها المتدربون. إذا كنت ستستخدم ساعة اليد، تأكد من أن أرقامها واضحة بسهولة، وأنك لا تنظر إليها عند نظر الغير إليك. يجب عليك أن تتجنب إظهار علامات مراقبة الوقت، أو فقدان الصبر والإحساس بالملل؛ لأن ذلك سيُفسِد المحاضرة.

إذا شعرت بضغط الوقت أثناء الإلقاء، فاعرض الخيار على المجموعة بالاستمرار أو التوقف. فرأيهم مهم وموافقتهم – وإن كانت شكلية – تجعلهم أكثر إقبالًا على الاستماع. طوال الدورة لا تنس التأكيد على رسالة شديدة الأهمية، تفيد بأن التحسينات الكبيرة التي تطرأ على الأداء لا تتحقق من خلال القفزات الضخمة والمعدودة للأمام، وإنما تتحقق من خلال الخطوات الصغيرة التي يتم القيام بها كل يوم وكل مرة.

فيما يلي عرض لأهم الفنون المتعلقة بالخطابة والتحدث العام:

  • اعمل على اكتساب الصفات الأساسية للخطابة والتحدث العام وحدِّد هدفك منذ البداية: إن الخطيب المفوَّه هو الخطيب الذي يتحدث انطلاقًا من خبراته الشخصية وتجارب الآخرين ممن سبقوه وعلَّموه. حدِّد هدفك واجعله قائدًا لك في تعلُّمك للخطابة، ونمِّ لديك التوجه الإيجابي وثق في نجاحك بالممارسة بإذن الله. إن المراس يجعل كل شيء سهلًا، لذا وجب عليك أن تنتهز كل فرصة رسمية وغير رسمية تتاح لك للخطابة.
  • واجه مخاوفك الخاصة بالتحدث أمام الجماهير وتغلَّب عليها بالأفكار المنطقية والتحضير المُتقن: اعلم أن الجميع يخافون من الخطابة وأن هذا شيء طبيعي لأنه في حدود المعقول يساندك ويجعلك أكثر حماسًا. إن عدم التعوُّد هو سبب أساسي لخوفك من الخطابة، وهذا حله يسير في اكتساب المهارة بالممارسة المستمرة. إن التحضير يجعل ثقتك بقدراتك فوق الممتازة، لذا توجَّب عليك التحضير جيِّدًا لما ستقوله ثم التدرُّب على إلقاءه.
  • تفادَ حفظ خطابك كلمة بكلمة أو قراءته من على الورق واستبدل ذلك بنقاط مركَّزة ومحضَّرة: إن فكرة حفظ خطابك بالكلية ثم إلقاءه على الجماهير هي فكرة غير جيِّدة، لأن نبرتها وقتها ستكون رتيبة جدًا. إن قراءة الخطاب مباشرة من على الورق يصلح في المواقف الرسمية، وفيما عدا ذلك فإنه سيُشعر المتلقين بالملل. حضِّر النقاط الأساسية والفرعية التي ستتناولها بصورة مركَّزة، ثم اكتبها في كروت صغيرة لكي تتحدَّث منها بتلقائية.
  • اندمج في الموضوعات التي ستتناولها أثناء تحضيرك لحديثك وتخيَّل نفسك تؤديه بأفضل صورة: عندما تتناول موضوعًا ما بالحديث أمام الجماهير فإنه يسهُل عليهم تقدير مدى اهتمامك به ومستوى معرفتك له. يجب أن تستغرق في التعرُّف على موضوعك الذي ستتناوله أثناء فترة التحضير، ويفيدك كثيرًا أن تتناقش حوله دومًا. عندما تتخيُّل نفسك مؤديًّا، ركِّز على التصوُّرات الإيجابية بدلًا من السلبية، لأن ما تتخيَّله سيتحوَّل إلى حقيقة.
  • اعمل على إضفاء اللمسات الشخصية لحديثك العام بعرض الخبرات الحياتية والتحدُّث بحماس: ينجذب الناس كثيرًا إلى القصص الشخصية في الأحاديث العامة بسبب فضولهم الكبير وسهولة استيعابهم للقصص. تحدَّث حول الدروس ذات العلاقة التي تعلمتها من الحياة وخصوصًا المتعلقة بتنشئتك، أو عملك، أو أسرتك، أو علمك. إن الحماس الذي تتحدَّث به يُعد شيئًا معديًّا لجمهورك؛ كن مقتنعًا بما تطرح وتحدًّث من القلب لتصل إلى مستمعيك.
  • فكِّر في المتلقين لأحاديثك واجتهد لتخدم أهدافهم وتلبية طموحاتهم الشخصية عبر طرحك: إن كل من يحضر حديثًا عامًا يمتلك هدفًا من وراء حضوره؛ اعمل على معرفة أهداف حضورك ثم اجتهد في خدمتها. اسأل نفسك: ماذا يريد من يستمع إلي أن يتعلَّم؟ وما هو الدافع الذي جعله يأتي؟ وكيف يمكنني مساعدته؟ فكِّر بعقلية الكسب- كسب واسعَ لخدمة مصالحك ومصالح حضورك على حد السواء لأن هذا سيزيد مصداقيتك.
  • حدِّد العمق الذي ستطرح به موضوعات حديثك واربطها ببعض واستخدم الأمثلة المناسبة: كثير من المتحدثين يحاول تناول موضوعات كثيرة تحت عنوان واحد أو عدة عناوين، وبالتالي يقل تأثير رسالته كثيرًا. من الأفضل أن تتناول موضوعًا وحدًا بعمق وبعدد محدود من العناوين المرتبطة ببعضها البعض ولذلك لإفادة جماهيرك. استخدم الأمثلة المناسبة حيث يكون ذلك متاحًا، لأن هذه الأمثلة تجعل المتلقِّي منتبهًا كما أنها تؤكد النقاط سريعًا.
  • انتقِ الموضوعات القريبة إلى قلبك لكي تتحدَّث فيها وتعامل مع الجمهور بود واشركه معك دومًا: إن الحديث العام من الممكن أن يكون أكثر متعة لك ولجمهورك عندما تتحدَّث عن الموضوعات الأقرب إلى قلبك. كن ودودًا مع الجمهور أثناء حديثك من خلال الإشارة إليه ومحاولة الاقتراب منه، ويفيدك كثيرًا أن تكون متواضعًا بحق.اشرك جمهورك معك من خلال منحه الفرصة للحديث بجوارك أو توضيح نقاط معيَّنة أو من خلال أوقات طرح الأسئلة.
  • خطِّط لحديثك بحيث تُعلم الجمهور بما ستقوله أولًا ثم تقوله لهم ثانيًا ثم تلخِّص ما قلته ثالثًا: أفضل الأحاديث هي تلك الواضحة والبسيطة؛ ابدأ أولًا بتعريف جمهورك بما ستطرح مع عرض الفائدة المتوقَّعة لهم. ثانيًا اطرح مضمون حديثك من خلال نقاط مسلسلة، واعمل على توضيح كل عنوان أساسي لحديثك قبل ان تطرحه. أخيرًا قم بتلخيص ما قلته من أجل تأكيد وصول الرسالة، حيث أن الناس تتذكَّر بسهولة ما يُقال في الافتتاح والختام.
  • اجتهد كل يوم لتنمية مهارات التحدُّث العام لديك وثابر على ذلك حتى تحقِّق طموحك بإذن الله: اجتهد لتكون نفسك كمتحدث عام ولا تنشغل بمقارنة أسلوبك بغيرك، واعلم أن لكل طريقته الخاصة التي تميِّزه. يجب أن تعلم أن التحدُّث العام مهارة يجب أن تُصقل على الدوام بالممارسة والتعلُّم من الخبراء والقراءة المستمرة. لتنجح أكثر قم بتطويع مهارات الخطابة المختلفة كل يوم في حوارك مع الآخرين وفي مجال عملك وحتى في منزلك.

رؤوف بن عادل

(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) أخصائي ومرشد نفسي، حاصل على ليسانس الآداب قسم علم النفس جامعة القاهرة، ومدرّب معتمد بإدارة الأعمال. رزقني الله بالأب المعلم والخبرة الاستشارية والتدريبية التي تفوق الـ15 عامًا، وهداني لأنشر علمي هنا صدقة عن والدي رحمه الله، فأسألكم الدعاء له بالرحمة والمغفرة

شاركنا نشر الخير لوجه الله
من روائع الأقوال
لا تجارةَ كالعملِ الصالحِ